ملا محمد مهدي النراقي

104

جامع السعادات

انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم ، لماتوا شوقا إلي ، وتقطعت أوصالهم عن محبتي ) . وفي بعض الأخبار القدسية : ( إن لي عبادا يحبونني وأحبهم ، ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم ، ويذكرونني وأذكرهم وأول ما أعطيتهم أن أقذف من نوري في قلوبهم ، فيخبرون عني كما أخبر عنهم ، ولو كانت السماوات والأرض وما فيهما في موازينهم لأستعد بها لهم ، وأقبل بوجهي عليهم ، لا يعلم أحد ما أريد أن أعطيه ) . وقال الصادق عليه السلام : ( المشتاق لا يشتهي طعاما ، ولا يلتذ شرابا ، ولا يستطيب رقادا ، ولا يأنس حميا ، ولا يأوي دارا ، ولا يسكن عمرانا ، ولا يلبس ثيابا ، ولا يقر قرار ، ويعبد الله ليلا ونهارا راجيا بأن يصل إلى ما يشتاق إليه ، ويناجيه بلسان الشوق معبرا عما في سريرته ، كما أخبر الله تعالى عن موسى بن عمران في ميعاد ربه بقوله : ( وعجلت إليك رب لترضى ) ، وفسر النبي ( ص ) عن حاله : ( إنه ما أكل ولا شرب ولا نام ، ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوما شوقا إلى ربه ) ، فإذا دخلت ميدان الشوق ، فكبر على نفسك ومرادك من الدنيا ، وودع جميع المألوفات ، واصرفه عن سوى مشوقك ، ولب بين حياتك وموتك : لبيك اللهم لبيك ! أعظم الله أجرك ، ومثل المشتاق مثل الغريق ، ليس له همة إلا خلاصه ، وقد نسي كل شئ دونه ) ( 10 ) . وما ورد في الأدعية المعصومية من طلب الشوق أكثر من أن يحصى ، والظواهر الآتية المثبتة للمحبة والأنس تثبت الشوق أيضا . وأما ( الكراهة والبغض وضدهما أعني الحب ) فنقول : قد عرفت أن الكراهة والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب ، والحب الذي هو ضدهما عبارة عن ميل الطبع إلى الملائم الملذ . وتوضيح ذلك : أنه لا يتصور حب إلا بعد معرفة وإدراك ، وكذلك لا يتصف بالحب جماد ولا يحب الإنسان ما لا يعرفه ولم يدركه ، فالحب من خاصية الحي الدراك ، بعد حصول الإدراك بالفعل . ثم لما كانت المدركات منقسمة إلى ما يوافق طبع المدرك ويلذه ، وإلى

--> ( 10 ) صححنا الحديث على مصباح الشريعة : باب 99 ، ص 193 - 194 .